لا زلت اتذكر كلمات ابى الراحل هذا الرجل العظيم الذى لم يكن عظيما لعظمة انتاجه بل فقط لانه لم يدخر وسعا.
و الراحل بالمناسبة صاحب نبوئات منها تحققت منها مقولة " يابنى المستقبل للكومبيوتر قالها عام 80 " ربما استحق لقب نبى العائلة.

اقول لا زلت اتذكر حديثه عندما عاد فى فترة السبعينييات الى القاهرة من ذلك البلد الافريقى الذى كنا نعيش فيه و كان هذا بالتحديد عام 75 :
"انا فاكر يوم ما رحت اقضى مصلحة بعد ما رجعت اجازة سنة 75 يوميها طلعت علبة سجايرى و عزمت على الموظف قام خدها يوميها قلت اننا خلاص هانبقى زى الافارقة , كان زمان مش ممكن حاجة زى كدة تحصل. و انت ليه ياباب تعزم عليه مادام مش المفروض انه ياخدها؟ ( طول عمرى عيل مناكف)
هوة الاصول كدة لازم اعزم و لازم يرفض."
اتذكر هذه الكلمات لانه لدى و لدى من عاش تلك الحقبة دليل على اننا فى فترة السبعينيات الاولى كانت الرشوة شيئا غير شائع فى مجتمعنا .
و مرت الايام و اعتقد فى نهاية السبعينيات و بدايه الثمانينيات , اصبح دفع الاموال البسيطة الى الموظف المسؤل شيء شبه شائع و اصبح عرف "ابجنى تجدنى" على الابواب , و لان المصريين شعب مؤمن و يضع الله نصب اعينه فكان لا بد من اخذ راى الدين.
و ظهرت فى تلك الحقبة أولى فتاوى الدين و رجالاته عن هذا الموضوع, او ربما كانت اعادة احياء لاراء قديمة من زمن سابق:
المهم ان رجال ادين لم يخيبوا امالنا و امال الجمهور العريض من المسلمين, و افتوا بجواز دفع الرشوة مضطرا لانهاء مصالحك و الحصول على حق من حقوقك.
العجيب ان الدين من المفترض ان يكون وسيلة لاصلاح و تهذيب المجتمعات , ليس اسلوب مهادنة و اراحة ضمير المؤمن به, و كان من المفترض ان تكون الفتاوى فى نسق ان الساكت عن الحق شيطان اخرس, و انك لو جابهت الرشوة -و اللتى نراها اليوم اولى الاسباب لانهيار البنيان المؤسسى فى بلادنا و ليست بالموضوع الهين الذى كان يجب ان يمرر,- لتغير حال المجتمع اليوم.
و اليوم بعد عشرات السنين نرى التطور الطبيعى لفتوى تحليل الرشوة اللتى افتى بها العلماء, و نرى ان الحابل اختلط بالنابل و اصبح الدفع هو الشيء الطبيعى و كلما تدفع اكثر تاخذ اكثر, و الدافع لا يعلم و لا يتحرى اصلا العلم فى ان كان ما ياخذه حق من حقوقه ام لا .
اذا ذهبت الى مؤسسة و نسيت بطاقتك و طلب الموظف المسؤل البطاقة و رشوته, فانت تعلم انك هو الشخص المعنى و لكن هل هذا الطلب تلكيك من الموظف ام حق للمؤسسة و برشوتك تلك تشجع على تجهل التعليمات اللتى ادت الى ان يستغلها الاخرين فى ما لا يحمد عقباه . الامثلة كثيرة و لا يسعنا المجال ذكرها و لكن الواقع يؤكد ان استفحال الرشوة مسؤلية مباشرة للدين و رجالاته, مع رغبة اكيدة للفساد عند جمهور المسلمين.
لن ادعى و اقول ان هذا هو موقف الاسلام من الرشوة فما املك من ادلة ربما لا ترقى الا الى مستوى التخمينات و لكن هذا بالتاكيد موقف المسلمون منها و يبدو ان الاسلام لم يكن بالقوة اللتى تمنع المسلمون من تحريف اوامره و يستخدمونه فى تحليل ما هو مفسد ضار.
فعلى سبيل المثال نجد القران رغم انه لم يذكر فائدة البنوك, الا ان وجود نص صريح عن الربا فى القران جعل تمرير فائدة البنوك مستعصيا على رجال الدين الى يومنا هذا . فلماذا غاب نص صريح عن الرشوة فى القران , اعنى هل الرشوة امر مستحدث, بالتاكيد لا و لكنه لم يذكر صراحة فى القران بل ترك للاجتهاد , بل اذهب للقول ان ترك الرشوة بعيدا عن التحريم ربما يكون لسبب ان محمد لم يرد ان يلفت الانتفاه الى تلك المفسدة حتى لا يظهر اعتراضات على تشريع اراه و قد ترونه معى هو رشوة و اقصد بهذا المؤالفة قلوبهم .
فما هو تعريف الرشوة: هى دفع مال او مزية الى غيرك لتجعله يفعل ما لم يكن فاعله لو انه لم ياخذ هذا المال او التميز, اما المسلمون فقد اضاقوا بند ان يكون الامر امرا غير حق.
فمن الذى يحدد هذا الحق الدافع بالطبع. و نتج عن هذا سياسة الكيل بمكيالين اذا كان الامر مفعولا منا فهو حق و ان كان لفائدة غيرنا فهو رشوة و باطل.
مثال اذا دفع المسلمون للمؤالفة قلوبهم كان هذا تشريعا و اذا حدث العكس كان هذا رشوة و افساد فى الارض.
و سياسة الكيل بمكيالين هذة مع فتوى الرشوة, هى فى رايي اولى الاسباب اللتى نشرت الرشوة بهذه الصورة الشائعة فى بلداننا , و الخلاصة ان الدين مسؤل مباشر عن هذا الوضع المتردي الذى نجد انفسنا قد وصلنا اليه, فهو لم يقف موقف المتفرج فحسب, و كان يكفيه هذا لدفعنا بعدم جدواه, بل كان عاملا حافزا للافساد.
و يبقى السؤال لماذا لم يحرم الله الرشوة بنص صريح مباشر, مع اننا نرى ا المجتمعات اللتى لم يحرم فيها الزنى الذى افرد الله له الايات و لكن يحرم الرشوة هى مجتمعات اكثر تطورا منا ؟
بود
اريو
"شكرا لك":
*